رصدت صحيفة "يديعوت أحرنوت"، التحولات في مسار العلاقات العربية – الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة، بعد أن كانت قد أوشكت على الاندماج مع دول المنطقة، في إطار "التحالف الإيراهيمي"، قبل أن يتصاعد العداء معها على خلفية هجمات 7 أكتوبر 2023.

 

وقالت: "منذ ذلك الحين، سالت أنهار من الدماء في الشرق الأوسط، وازدادت الكراهية لإسرائيل. والآن، لا يقتصر السؤال على كيفية انتهاء الحروب والصراعات فحسب، بل يتعداه إلى ما إذا كان بإمكان إسرائيل الاندماج في الفضاء الإقليمي، أم أنها ستُحصر في موقع دولة قوية لكنها معزولة، وفي بيئة شديدة العداء".


وأضافت: "في الواقع، شهدت خريطة المصالح الإقليمية تغيرًا سريعًا خلال السنوات الثلاث الماضية. فقد أدت عشرات الآلاف من القتلى في الهجمات الإسرائيلية على غزة ولبنان وإيران واليمن - مع أن إسرائيل كانت في جميع الحالات هي التي تعرضت للهجوم أولاً - إلى إدانات رسمية متكررة وشبه تلقائية من وزارات الخارجية العربية والإسلامية، وتراجعت العلاقات مع دول الخليج إلى حد كبير". 

 

وتابعت: "انتقلت إسرائيل من الحديث عن تطبيع فوري تقريبًا مع السعودية - حيث تحدث ولي العهد الأمير محمد بن سلمان علنًا وبصراحة عن إمكانية التوصل إلى اتفاق - إلى واقع تعمل فيه الرياض في الوقت نفسه على تعميق تحالفات أمنية أخرى في المنطقة. لكن الواقع وراء الكواليس أكثر تعقيدًا".

 

العلاقات مع مصر والأردن ذات طابع أمني

 

وبحسب الصحيفة، "لم تكن إسرائيل معزولة تماماً في الشرق الأوسط؛ فحتى خلال فترات العداء الشديد، كانت هناك قنوات سياسية واستخباراتية وأمنية تربطها بالدول العربية.

 

وأشارت إلى أنه في السنوات الأولى لتأسيس دولة إسرائيل، "جرت اتصالات سرية مع دول عربية، ثم توطدت العلاقات مع الأردن ومصر، حتى وصلت إلى توقيع معاهدتي سلام عامي 1979 و1994. لم تُنهِ هاتان المعاهدتان الخلافات السياسية، لكنهما خلقتا مصالح مشتركة: أمن الحدود، والاستخبارات، والمياه، والتجارة، والمساعدات الأمريكية، والاستقرار الإقليمي".

 

وذكرت الصحيفة، أنه "حتى اليوم، وتحت وطأة التصريحات السياسية الصاخبة، يكمن واقع مختلف. فقد أشار مسؤول إسرائيلي معني بالعلاقات مع الدول العربية إلى أن العلاقات مع مصر والأردن اليوم ذات طابع أمني في المقام الأول. بعبارة أخرى، السلام الرسمي قائم، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى تقارب سياسي أو شعبي". 

 

وعزا السبب في ذلك إلى أن "دول المنطقة لها مصالح، وليست مجرد مشاعر". وأوضح المسؤول نفسه أن "دول المنطقة مهتمة بالعلاقات مع إسرائيل بالدرجة الأولى لما تتمتع به من مزايا أمنية وتكنولوجية، كأنظمة الاستخبارات والدفاع والفضاء الإلكتروني والإنذار المبكر، فضلاً عن قدرتها على مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية. بالنسبة للعديد من الدول، تُعد إسرائيل أقرب إلى رصيد استراتيجي منها إلى "شريك أيديولوجي".

 

لكن الصحيفة رأت أن المشكلة تكمن هنا تحديدًا، "فالعلاقات القائمة على الاستخبارات والأمن فقط قد تدوم لسنوات، لكنها لا تُفضي بالضرورة إلى سلام مستقر. وإذا بقيت هذه العلاقات سرية، تصبح إسرائيل، بمعنى ما، "مُسيطرة" على دول المنطقة: مفيدة في الخفاء، لكنها تفتقر إلى الشرعية الكافية للوقوف إلى جانبها علنًا". 

 

وللأسف، منذ السابع من أكتوبر، باتت العلاقات العامة - حتى مع دول اتفاقيات أبراهام - نادرة على نحو متزايد.

 

رداً على سؤال حول ما إذا كانت إسرائيل قد تراجعت عن التقدم الذي أحرزته عشية السابع من أكتوبر، قال أحمد الخزاعي، المستشار والمحلل الجيوسياسي البحريني المقيم في الولايات المتحدة، إن "العلاقات بين إسرائيل والبحرين والإمارات العربية المتحدة تمثل نموذجًا مختلفًا تمامًاً عن علاقاتها مع السعودية ودول الخليج الأخرى". 

 

ووفقًا له، وفي ضوء التقارير التي تفيد بتزويد إسرائيل الإمارات بالأسلحة وأنظمة الدفاع ، "منحت الدول الموقعة على الاتفاقيات الإبراهيمية إسرائيل دورًا محوريًا في أنظمة أمنها القومي. وأصبحت الشراكة الأمنية والاستخباراتية جزءًا من معادلة الردع الإقليمي، كما تجلى ذلك خلال الحروب مع إيران. وتنظر هذه الدول إلى إسرائيل كحليف استراتيجي قادر على توفير تقنيات متقدمة ودعم أمني مباشر، وينعكس ذلك في مشاريع مشتركة في مجالات الأمن السيبراني والدفاع الجوي".

 

فيما يتعلق بالمملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى، أوضح الخزاعي أن الوضع أكثر تعقيدًا. وقال: "تخضع السيادة والعلاقات الخارجية لاعتبارات مختلفة تمامًا. فالرياض، على سبيل المثال، توازن بين دورها القيادي في العالم الإسلامي ومصالحها الاستراتيجية مع القوى الكبرى، مما يجعل علاقاتها مع إسرائيل خاضعة لاعتبارات سياسية ودينية أوسع نطاقًا". 

 

وأضاف: "لذلك، لا يمكن القول إن إسرائيل قد تراجعت، بل إن مسارها يختلف مع كل دولة: فهي شريك أمني مباشر في البحرين والإمارات، لكنها تبقى مراقبًا، أو طرفًا غير معلن، في المملكة العربية السعودية ودول أخرى، حيث تخضع الشؤون السيادية والعلاقات الخارجية لمنطق مختلف عن منطق الأمن القومي المباشر".


الإمارات وإسرائيل 


تصف الإمارات العربية المتحدة علاقاتها مع إسرائيل بأنها صمدت أمام الاضطرابات الإقليمية، لكنها تؤكد أن هذه الشراكة لا تزيل الخلافات بين البلدين. وصرح سلطان العلي، الإعلامي من أبوظبي، قائلاً: "يمكن وصف العلاقات بين الإمارات وإسرائيل خلال السنوات الثلاث الماضية بأنها علاقة قائمة على المصالح المشتركة والتعاون، على الرغم من وجود اختلافات واضحة في وجهات النظر حول بعض القضايا السياسية، ولا سيما القضية الفلسطينية. وقد التزمت الإمارات بموقف ثابت يدعو إلى الهدوء وحماية المدنيين ودعم حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة".


بحسب قوله، فإن العلاقة مع إسرائيل جزء من سياسة أبوظبي الإقليمية الأوسع، وليست خيارًا ينحاز إلى أي طرف بعينه: "في الوقت نفسه، تنتهج دولة الإمارات العربية المتحدة سياسة خارجية متوازنة ومنفتحة تجاه دول المنطقة، تقوم على الحوار، وخفض التوترات، وبناء شراكات اقتصادية وعمليات تنموية. لذا، أرى أن السياسة الإماراتية لا تحركها دوافع سياسية أو استقطابية، بل الحفاظ على المصالح الوطنية وتعزيز الاستقرار الإقليمي".


بحسب الخزاعي، فإن مستقبل التطبيع بين إسرائيل ودول الخليج سيبقى رهنًا بحسابات كل دولة على حدة: "اختارت البحرين والإمارات العربية المتحدة الاستمرار في إطار الاتفاقيات الإبراهيمية، حيث تنظر كل منهما إلى إسرائيل كشريك أمني وتكنولوجي يعزز الردع الإقليمي. وتُعدّ العلاقة مع إسرائيل جزءًا لا يتجزأ من معادلة أمنهما القومي، وهو مسار يصعب تغييره في ظل التهديدات الإقليمية المستمرة. أما حسابات السعودية فهي أكثر تعقيدًا. فأي خطوة نحو التطبيع مع إسرائيل ستعتمد على بناء الثقة المتبادلة وضمان أن يخدم التعاون أولويات السعودية دون المساس بمكانتها الدينية والسياسية. ولا تزال الرياض تُفضّل إبقاء قنوات الإعلام صامتة، أو ربطها بالتطورات الإقليمية الأوسع نطاقاً."


مبدأ المملكة العربية السعودية


بحسب الصحيفة، فإن السعودية تُمثل الاختبار الأكبر. عشية السابع من أكتوبر 2023، بدا أن التطبيع مع الرياض بات أقرب من أي وقت مضى. سعت الولايات المتحدة إلى الجمع بين اتفاقية دفاعية أمريكية مع السعودية، والتعاون النووي المدني، والتطبيع السعودي الإسرائيلي. حتى بعد اندلاع الحرب، أوضحت واشنطن أن الجهود المبذولة سابقًا لم تتوقف بالضرورة. وقد نشر معلق "يديعوت أحرنوت" نداف إيال مؤخرًا أن التطبيع مع السعودية كان من الممكن أن يبدأ بعد السابع من أكتوبر، لكنه لم يُستغل.


أوضح عبد الحميد الغبين، المعلق السعودي، النهج الإقليمي السعودي، قائلاً إنه ينبع من حقيقة واضحة: "من المستحيل بناء اقتصاد قوي وتنفيذ مشاريع تنموية ضخمة في منطقة على حافة الحرب". وأضاف أن المصلحة الوطنية السعودية مرتبطة بالاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي للمنطقة. وتابع: "الاستقرار هنا ليس مجرد شعار، بل ضرورة استراتيجية لمشروع التنمية السعودي نفسه".


لكن على أي حال، تغيرت الظروف في عام 2026. فقد أعلنت السعودية صراحةً أنه لن يكون هناك تطبيع دون مسارٍ لا رجعة فيه نحو إقامة دولة فلسطينية. ويؤكد الغبين أن هذا ليس مجرد شرط تكتيكي للمفاوضات من وجهة نظر الرياض، بل هو: "لكل دولة في الخليج حساباتها ومصالحها الخاصة. أما موقف السعودية فهو واضح ومعلن، فلا تطبيع دون مسار حقيقي يؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة. هذا ليس ورقة مساومة مؤقتة، بل مبدأ سياسي ثابت في الموقف السعودي".


لذا، وفقًا للصحيفة، لا يبدو العودة التامة إلى السادس من أكتوبر واقعيًا في الوقت الراهن، لكن العودة إلى الإمكانيات التي كانت قائمة آنذاك أمرٌ ممكنٌ بالتأكيد. لم تختفِ المصالح السعودية والإسرائيلية، بل باتت تُدفع ثمنًا سياسيًا باهظًا. في غضون ذلك، لا يبدو أن إسرائيل مستعدة لدفع الثمن فيما يتعلق بالدولة الفلسطينية، وفي الشرق الأوسط، يُعتقد أنه طالما بقي بنيامين نتنياهو رئيساً للوزراء، وحكومته تعتمد على اليمين المتطرف، فلن يكون هناك تطبيع.


كما تناول الخزاعي القضية الفلسطينية في سياق التطبيع، قائلاً: "إذا لم تتمكن إسرائيل من تحقيق تقدم ملموس في القضية الفلسطينية، فعليها على الأقل تجنب التصعيد الذي يمكن استخدامه كذريعة لتأجيل أو تقويض عملية التطبيع".


قال إن القضية الفلسطينية، رغم كونها عاملاً حساسًا في حسابات دول الخليج، إلا أن وضعها في الواقع أكثر تعقيداً. وأوضح قائلاً: "مع توجه بعض الفصائل الفلسطينية نحو إيران، فقدت جزءًا كبيرًا من دعمها الشعبي والسياسي في الخليج. وفي ضوء ذلك، أصبح الأمن القومي أولوية قصوى لدول الخليج، ما دفعها إلى النظر في علاقتها مع إسرائيل من منظور حماية المصالح الاستراتيجية، بدلاً من منظور التضامن التقليدي مع الفلسطينيين".


اتفاق مكة: "إسرائيل ليست الهدف"


إلى جانب العلاقات التي تسعى إسرائيل إلى الحفاظ عليها وتطويرها في المنطقة، تعمل دول الشرق الأوسط أيضًا على بناء أنظمة أمنية جديدة مستقلة عنها. ومن أبرز التطورات في هذا السياق "اتفاق مكة" بين السعودية وباكستان وتركيا، الذي يهدف إلى إنشاء آلية ردع مشترك بين الدول الثلاث.


أوضح المعلق السعودي عبد الحميد الغبين أن المملكة العربية السعودية سعت مرارًا وتكرارًا إلى تعزيز إنشاء نظام أمني عربي موحد، لكنها واجهت صعوبة في التوفيق بين الأولويات المختلفة لدول المنطقة. وقال: "تكمن المشكلة في أن كل دولة أرادت أن يخدم النظام الجماعي أولوياتها ومصالحها الخاصة. ويقدم اتفاق مكة نموذجًا مختلفًا لأنه يقوم على مبدأ محدد: أمن الدول الموقعة مترابط، وأي هجوم على إحداها يؤثر على أمنها جميعًا".

 

لا ينظر الغبين إلى الاتفاقية الجديدة كمشروع للهيمنة العسكرية أو الاقتصادية، ولا كتحالف موجه ضد إيران أو إسرائيل أو أي دولة أخرى. وقال: "لا تبدأ الاتفاقية بتحديد العدو، بل بترسيخ مبدأ أساسي: من يهاجم دولة عضواً عليه أن يدرك أنه لا يواجهها بمفرده". 


وأضاف: "في رأيي، هذه هي الفلسفة الجوهرية للاتفاقية - الردع لا السعي إلى الحرب. فالهجوم لا يعني بالضرورة أن الدول الثلاث ستخوض حربًا. وتحدد الدولة المستهدفة طبيعة الدعم الذي تحتاجه وفقًا لمستوى التهديد؛ من المعلومات الاستخباراتية والدعم اللوجستي والذخيرة، إلى نشر وحدات عسكرية عند الضرورة".


بحسب قوله، ينطبق هذا المبدأ على كل من إسرائيل وإيران: "إيران ليست هدفًا إلا إذا هاجمت إحدى الدول الموقعة، وإسرائيل ليست هدفًا إلا إذا هاجمت إحدى الدول الموقعة، وينطبق المبدأ نفسه على أي دولة أخرى". وأضاف الغبين: "في منطقة اعتادت على اندلاع الحرب أولاً ثم البحث عن حلفاء، يسعى اتفاق مكة إلى عكس هذه المعادلة وإقامة تحالف قبل الحرب، مما يقلل من احتمالية نشوبها".


يرى الخزاعي أن الاتفاق جزء من تحول أوسع في منظومة الأمن الإقليمي، وتحديداً في مواجهة إيران. وقال: "هناك إرادة جماعية لمواجهة التهديدات الإيرانية من خلال مبدأ الردع المتبادل. وقد أضفى التوقيع في مكة المكرمة على الاتفاق بُعدًا رمزيًا ودينيًا، وعزز شرعيته، وفتح الباب أمام مزيد من الاستقلال عن المظلة الأمنية الأمريكية التقليدية". وأضاف الخزاعي أن استمرار تركيا وباكستان في الحفاظ على قنوات اتصال مع طهران يمنح التحالف مجالاً للمناورة، مما يقلل من احتمالية تدهور الوضع إلى صراع شامل.

 

https://www.ynet.co.il/news/article/sjo8qsqizg#google_vignette